إن المتأمل لمئات الدراسات والأبحاث التي تنظر للمذاهب والاتجاهات الحديثة في الفكر العربي الإسلامي الممتد من منتصف القرن التاسع عشر إلى يوم الناس هذه سيجدها تسير في نسق واحد وتصنف اتجاهاته إلى ثلاثة مذاهب: أولها: أنصار القديم ووصفتهم بالرجعية والجمود. وعلى الجانب الآخر نجد عصبة المستغربين أو المذهب التغريبي وهو الرافض تماماً للموروث بكل أشكاله والجاحد للمشخصات والمنكر للثوابت والساعي للتحديث وفق النموذج الغربي العلماني. أما الاتجاه الثالث فيمثله قلة من التوفيقيين أو التلفيقيين، على حد تعبيرهم، وقد صنفوا المفكرين في المدرسة المصرية والسورية والعراقية والمغربية وفق هذه الرؤية الجائرة التي تفتقر للكثير من قواعد التحليل والفحص والمراجعة.
وهذه الدراسة محاولة للتوقف مع جهود بعض أعلام الفكر العربي الإسلامي ممن وصفتهم بعض الأقلام الكاذبة بالرجعية، أمثال: حسين المرصفي، والمنفلوطي، وعبد المتعال الصعيدي، ومحمد فريد وجدي، فقد نادوا جميعا بالتجديد ونقد الفكر الموروث للفصل بين ثوابته ومتغيراته والنفيس من عوائده والخسيس الذي يجب الإقلاع عنه، كما أنهم دعوا إلى نبذ التقليد وفتح باب الاجتهاد وإدراج المعارف الفلسفية ضمن المناهج التعليمية، وتحديث لغة التناظر والتساجل والتعويل على المنهج العقلي في المحاججة والمثاقفة